أحد العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة "أرشيف"
الإثنين 18 مايو 2026 / 17:42
قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، إن العاملين في قطاع التكنولوجيا الذين يطورون أنظمة الذكاء الاصطناعي يشعرون بقلق متزايد إزاء ما يبتكرونه، مما دفعهم للتوجه نحو العمل النقابي، وأوضحت الصحيفة أن هؤلاء الموظفين يخشون من استخدام تقنياتهم في أغراض عسكرية أو للمراقبة الجماعية، فضلاً عن تهديدها للوظائف والخصوصية، مشيرة إلى أن إشراكهم في توجيه مسار الذكاء الاصطناعي بات أمراً حتمياً لحماية المجتمع ولضمان عدم احتكار الشركات والجيوش لقرارات التكنولوجيا.
وبحسب "نيويورك تايمز"، قرر العاملون في مختبر "ديب مايند" لأبحاث الذكاء الاصطناعي التابع لشركة "جوجل" في بريطانيا هذا الشهر، تشكيل نقابة، مدفوعين بمخاوف من تزويد شركتهم للجيوش بأدوات الذكاء الاصطناعي، وفي أبريل (نيسان)، وجه أكثر من 600 موظف في "جوجل" رسالة إلى الرئيس التنفيذي، سوندار بيتشاي، يطالبونه فيها برفض أي عقد مع البنتاغون ينشر تقنيات الشركة في أي أعمال سرية، لضمان عدم استخدامها في أسلحة فتاكة ذاتية التشغيل أو المراقبة الجماعية أو بطرق "غير إنسانية أو ضارة للغاية"، وكتبوا في رسالتهم: "الطريقة الوحيدة لضمان عدم ارتباط جوجل بمثل هذه الأضرار هي رفض أي أعباء عمل سرية".
مخاوف متصاعدة وحراك نقابي
وأشارت الصحيفة إلى أن الأشخاص الأكثر فهماً للذكاء الاصطناعي، وهم من يكتبون شفراته ويدربون نماذجه ويراقبون توسع قدراته في الوقت الفعلي، باتوا مرعوبين بشكل متزايد مما يبنونه ولمن يبنونه، وتتنوع مخاوفهم بين التطورات العسكرية الخطيرة، وتهديد الوظائف، سواء وظائفهم أو في قطاعات واسعة مثل الفنون والإعلام والقانون والبنوك، بالإضافة إلى تداعيات الخصوصية.
ويصر هؤلاء العمال على أن يكون للأشخاص الأقرب إلى تطوير الذكاء الاصطناعي صوت في توجيهه، خاصة أنهم يدركون المخاطر قبل المنظمين والمشرعين والجمهور.
ولفتت الصحيفة إلى أن قلق عمال التكنولوجيا ليس جديداً؛ ففي عام 2018، نظم موظفو "جوجل" حملة واسعة ضد مشاركة الشركة في "مشروع مافن"، وهو مبادرة للبنتاغون تستخدم التعلم الآلي لتحليل لقطات الطائرات بدون طيار، ونجحت الحملة في دفع الشركة للإعلان عن عدم تجديد العقد، ومنذ ذلك الحين، أدرك العمال أن العمل الجماعي يمنحهم قوة حقيقية، لتتشكل نقابات في عدة شركات، مثل تصويت عمال "جوجل" المتعاقدين في بيتسبرغ على تشكيل نقابة في 2019، وتأسيس موظفي "كيك ستارتر" لإحدى أولى النقابات الشاملة للشركة في 2020، وإطلاق نقابة عمال "ألفابت" في 2021، وتصويت عمال التكنولوجيا في "نيويورك تايمز" لصالح التنظيم النقابي في 2022.
عقبات قانونية وثقافية
ورغم هذا الحراك، أوضحت الصحيفة أن التنظيم النقابي في قطاع التكنولوجيا لم يتسع نطاقه، فنسبة الانتماء النقابي في القطاع الخاص الأمريكي تبلغ 6% فقط، وتنخفض في القطاع المهني والتقني إلى 1.3%، ويُعزى ذلك جزئياً إلى ثقافة العاملين الذين يرون أنفسهم مهنيين متحالفين مع الإدارة، ويتمتعون بامتيازات ورواتب عالية.
لكن الأبحاث تشير إلى أن هؤلاء العمال يختارون وظائفهم إيماناً منهم بأن التكنولوجيا تفيد المجتمع، وعندما تدعم شركاتهم وكالات إنفاذ الهجرة أو تبني أنظمة استهداف للطائرات بدون طيار، يشعرون بـ"خيانة عميقة".
وتضيف الصحيفة أن تحويل هذا الإحباط إلى تنظيم مستدام يواجه عقبات قانونية في الولايات المتحدة، فقانون علاقات العمل الوطنية غالباً ما يفشل في حماية حق التنظيم، حيث يمكن لأصحاب العمل تأخير الاعتراف بالنقابات لشهور أو سنوات، أو طرد العمال المنظمين مع عقوبات شبه معدومة، كما أن القانون يلزم أصحاب العمل بالتفاوض فقط مع موظفيهم المباشرين، وهو هيكل لا يناسب طبيعة الذكاء الاصطناعي الذي يُبنى عبر سلاسل معقدة من المهندسين والمقاولين ومراقبي المحتوى الموزعين عبر شركات مختلفة.
قوة العمال ومستقبل التكنولوجيا
وتؤكد "نيويورك تايمز" أنه رغم هذه العقبات، يمتلك عمال التكنولوجيا الأمريكيون قوة أكبر مما يدركون، فمهندسو الذكاء الاصطناعي التوليدي مكلفون في التوظيف والتدريب ويصعب استبدالهم، وهم يفهمون الأنظمة التي يبنونها أفضل من المنظمين والمديرين التنفيذيين، وعندما يتحركون بشكل جماعي، يمكنهم حماية مصالح المجتمع ككل.
وتختتم الصحيفة تحليلها بالإشارة إلى نجاح كتاب وممثلي هوليوود في استخدام الإضرابات لفرض قواعد على استخدام الاستوديوهات للذكاء الاصطناعي التوليدي، وأكدت أنه إذا أردنا سياسة ذكاء اصطناعي تخدم الصالح العام، فلا يمكن ترك القرارات للمديرين والمستثمرين وحدهم، بل يجب أن يكون للعمال رأي فيما يبنونه وكيفية استخدامه، لضمان إدارة التكنولوجيا بقيم ديمقراطية، وليس فقط وفقاً للضرورات العسكرية والتجارية.